رضي الدين الأستراباذي
503
شرح شافية ابن الحاجب
انحطت من السماء فجذبتني ، فلما كان من الغد قاتل إلى الليل ثم غاداهم فقتل يومئذ ، فلما قتل الربيع تدافع أهل البصرة الراية حتى خافوا العطب ، إذ لم يكن لهم رئيس ، ثم أجمعوا على الحجاج بن باب الحميري ، وقد اقتتل الناس يومئذ وقبله يومين قتالا شديدا لم يقتتلوا مثله : تطاعنوا بالرماح حتى تقصفت ، ثم تضاربوا بالسيف والعمد حتى لم يبق لأحد منهم قوة ، حتى كان الرجل يضرب الرجل فلا يغنى شيئا من الاعياء ، وحتى كانوا يترامون بالحجارة ويتكادمون بالأفواه ، فلما تدافع القوم الراية اتفقوا على الحجاج وامتنع من أخذها ، فقال له كريب بن عبد الرحمن : خذها ولا تخف ، فإنها مكرمة ، فقال إنها لراية مشئومة ما أخذها أحد إلا قتل ، فقال له كريب : يا أعور تقارعت العرب ( على أمرها ) ثم صيروها إليك فتأبى خوف القتل ؟ خذ اللواء ، فان حضر أجلك قتلت : كانت معك أو لم تكن ، فأخذ اللواء وناهضهم واقتتلوا حتى انتقضت الصفوف وصاروا كراديس ( 1 ) ، والخوارج أقوى عدة بالدروع والجواشن ( 2 ) ، فجعل الحجاج يغمض عينيه ويحمل حتى يغيب في الشراة ويطعن فيهم ، ويقتل حتى يظن أنه قد قتل ، ثم يرفع رأسه وسيفه يقطر دما ، ويفتح عينيه فيرى الناس كراديس يقاتل كل قوم في ناحية ، ثم التقى الحجاج وعمران بن الحارث الراسبي فاختلفا ضربتين : كل منهما قتل صاحبه ، ثم تحاجزوا فأصبح أهل البصرة وقد هرب عامتهم وولوا حارثة بن بدر الغداني أمرهم ، فلما تسلم الراية نادى فيهم أن يثبتوا فإذا فتح الله عليهم فللعرب زيادة فريضتين وللموالي زيادة فريضة ، وندب الناس فالتقوا وليس بأحد منهم قوة وقد فشت فيهم الجراحات ، وما تطأ الخيل إلا على القتلى ، فبينا هم كذلك إذا أقبل من اليمامة جمع من الشراة يقول المكثر إنهم مائتان ، والمقلل : إنهم أربعون ، فاجتمعوا وهم مريحون مع أصحابهم فصاروا كوكبة واحدة ، فحملوا على الناس فلما رآهم حارثة بن بدر نكص برايته فانهزم وقال :
--> ( 1 ) الكراديس جمع كردوسة - كعصفورة - وهو كتيبة الخيل . ( 2 ) الجواشن : جمع جوشن ، وهو الزرد يلبس على الصدر